Saturday, September 7, 2013

بعض الملاحظات على النقاش الدائر


عندما يتوج النظام في سورية جرائمه بأعمال الإبادة الكيميائية المتكررة التي تأتي في أعقاب أكثر من مائة وخمسين ألف شهيد ومئات الآلف من المصابين والمعاقين ومن المساجين والمعذبين وملايين اللاجئين المسجلين في دول الجوار وملايين النازحين في الأصقاع السورية، عندما يحدث هذا كله تم نجد أن وسائل إعلام أمريكية كبرى، من قبيل النيويورك تايمز والسي إن إن، تتكاتف لإفشال صدور قرار له معنى عن مجلسي الكونغرس الأمريكي يعاقب على الجريمة الكيميائية (لا أكثر)، فإن ذلك يشير بجلاء إلى أجندات خفية مناقضة تماماً للمواقف المؤيدة للرئيس الأمريكي وهي المواقف التي كانت قد أعلنتها في البداية مراكز القوى وصنع القرار في الولايات المتحدة، بما فيها المنظمات الصهيونية. فهناك من يتحدث على المستوى العلني مؤيداً للضربة من جهة ثم يفعل المستحيل من جهة أخرى لإفشال القرار الخاص بها... هذا هو الاستنتاج الذي لا يمكن الفرار منه، وهو ما يعيدنا إلى الخانة الآولى... خانة المؤامرة الكبرى على الشعب السوري وعلى ثورته. 

وكما يبدو للمراقبين الآن، فإن فرص صدور قرار قوي له معنى عن الكونغرس باتت ضئيلة. مشروع القرار المؤيد الذي سيناقش يوم الاثنين في مجلس الشيوخ هو مشروع جيد نسبياً ويحظى بتأييد واسع ولكنه لا يكفي لوحده. أما مشروع قرار لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، بعد كل هذا الصراع والتشهير، فهو بالضرورة ضعيف بذاته فضلاً عن أن إمكانية قبوله في المجلس ككل تراجعت كثيراً خلال الأيام القليلة الماضية. ولعل مجلسي الكونغرس سيلجآن إلى التوفيق بين المشروعين لينتجا قرارا بحد أدنى يُضعف يد الرئيس الذي سيتخذ في نهاية الأمر قراراً ما يوم الثلاثاء. ولا يساعد على تيسير الأمور التراجع الفرنسي الأخير (يوم الجمعة) الداعي إلى تأجيل الضربة إلى ما بعد صدور تقرير الأمم المتحدة فهو يصب مزيداً من الماء البارد على النقاش الأمريكي كله. 

هناك جهود كبيرة للتأثير على الكونغرس يبذلها اللوبي الأسدي الذي تحولت قيادته، بعد تجميد نشاط سفارتهم في واشنطن، إلى بعثة النظام لدى الأمم المتحدة في نيويورك (هل تذكرون الجعفري) والتي باتت تشهد تضخماً هائلاً في عدد الناس (من خبراء اللوبي والمؤثرين على الرأي العام) على كشف الرواتب والمكافآت لديها، بعد أن كان هذا الكشف يقتصر على بضعة أشخاص في الأحوال العادية...  

في المقابل، علينا ألا نظلم فريق الائتلاف في واشنطن فهو يبذل قصارى جهده للتعبئة والتنسيق. على أنه يدرك ولا شك أن المعركة الحالية أكبر منه بكثير، فهو كمؤسسة ناشئة تنقصه الخبرة في عمل اللوبيات والمعرفة بديناميات واشنطن، وهو جسم جديد مزروع من خارج العاصمة في بيئة لا ناقة له فيها ولا جمل... حتى أن بعض مجموعات المعارضة السورية الناشطة في واشنطن والولايات المتحدة عموماً منذ سنين طويلة تشعر أنه غريب عنها ولم يتمكن بعد من اكتساب ثقتها، ناهيك عن قيادته لها أو توليفه بين ما لديها من أنشطة وأجندات وأولويات أقدم منه بكثير. ولا يكفي بالطبع إغراقه بالمال كما يحاول أن يفعل الائتلاف والمنتدى السوري للأعمال وجهات أخرى فالمسألة ليست مالية بقدر ما هي خبرة تراكمية. ما فائدة المال إذا لم تتوفر لديك الدراية بما يجب أن تفعل... ومع ذلك فهو يبذل قصاراه كما ذكرت...   

ولا أقصد أنه إذا نجح التصويت أو فشل في الكونغرس فإن النجاح أو الفشل سيعزى إلى هذا الفريق أو ذاك أو هذا الشخص أو ذاك من السوريين. من المبالغة بالتفاؤل أن نعتقد أننا إذا نجحنا في الوصول عبر الهاتف أو عبر البريد الالكتروني  إلى عضو ما في الكونغرس فإن ذلك سيجعله يصوت لصالحنا. المحاولة ضرورية ومفيدة بالطبع ولكن نتيجتها بالتأكيد وبأحسن الأحوال غير مضمونة... فالقضية أكبر من اللوبيات السورية المتواضعة. القضية في الكونغرس باتت صراعاً سياسياً داخلياً في المقام الأول وعلى المستويات المحلية (حسب المبدأ الأمريكي الذي رسّخه رئيس مجلس النواب الأسبق تيب أونيل عندما قال بأن "السياسة كلها محلية!"). ما يسمعه أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب من ناخبيهم في تواصلهم اليومي والمباشر معهم على المستوى المحلي هو الذي سيقرر نتيجة التصويت. أما وصول لوبياتنا الفعلي إلى هؤلاء الناخبين فهو محدود في أحسن الأحوال وهو ما يتعبن علينا تعزيزه في المقام الأول وعلى الأجل الطويل...  

ما الذي سيفعله الرئيس أوباما في حال صدور قرار مخصي عن الكونغرس بمجلسيه؟ أو في حال صدور قرار مؤيد عن مجلس الشيوخ يرافقه قرار "ممانع" عن مجلس النواب (أو حتى امتناع النواب عن إصدار أي قرار وهو أمر ممكن أيضاً). هل هي حالة "رماه في اليمّ مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء"؟ المشكل في توصيف كهذا هو أن الرئيس هو الذي "كتــّـف" نفسه بنفسه قبل أن يرتمي بمحض إرادته في مياه الكونغرس المائجة... هناك من يسأل: ألم يكن الرئيس عارفاً بكل هذه الأمور ومتوقعاً لها وهل كان يلتمس الطريق لتعطيل الضربة التي تورط بها؟ بالتأكيد لستُ من أنصار هذه النظرية، فالبيت الأبيض قادر على استعادة دوره القيادي في توجيه الرأي العام، كما أن الرئيس، في نهاية المطاف، غير ملزم بقرار الكونغرس إن كان ضعيفاً أو سلبياً. الضربة لا شك قادمة... ولكن إذا كان بعض الشك إثم فلعل بعضه الآخر فضيلة... على كل حال لم يبق إلا ثلاثة أيام.  

في هذه الأجواء: هل من المفيد أن يأتي الشيخ أحمد جربا، رئيس الائتلاف، إلى واشنطن على رأس وفد ائتلافي قوي ليشارك في الحملة المؤيدة للضربة (ولا أقول ليقودها)؟ إن إجابتي الشخصية على هذا السؤال، وعلى ضوء ما ورد أعلاه، قصيرة وصريحة: لا. في هذه المرحلة المتقدمة، معظم المواقف في الكونغرس تقررت فعلاً والورقة الرئيسية المتبقية هي في يد الرئيس الأمريكي بانتظار أن يكشفها. وإن يوم الثلاثاء لناظره قريب. 

والله أعلم...

 

4 comments:

  1. الدكتور سمير الشيشكلي المحترم
    تحية طيبة
    ماطرحنه من مخاوف عن عدول الغرب المحتمل عن معاقبة بشار على مجزرة الكيماوي
    أظنك بالغت بدور الجعفري بواشنطن ، إذا كان يكذب كذبا صراحا في حادثة " مقابلة العربية مع إرهابي ببرنامج نقطة نظام لحسن معوض) هل قادر على إقناع زوجته وليس عضو بالكونغرس، هل يلعب المال في تعديل مواقف الكونعرس ؟ أشك بالرشى السياسية في بلد مثل أمريكا والعرب عموما ، لأن همهم مصلحة بلدهم كما بينت أسئلتهم
    لماذا هذا الموقف الرجراج ؟ من الغرب كله وليس أمريكا وحدها ، أتصور هناك تخوف أن تشتعل المنطقة ، وبدل تكون ضربة محددة الأهداف والمدة أن يدخلوا ولايخرجون أبدا من أنون حروب طائفية تشعل الأخضر واليابس ، لذا أهون الشرين " دعوهم يقتلون ببعضهم حتى يدمرون آخر حجرة بسورية لتصبح دولة فاشلة " حينها يتقدم الغرب بالحل بحكومة "قرضاي سوري " ولا أستبعد أن يقتلوا بشار بانفجار الغرب يدبره بإحكام وينسبه للمعارضة
    هكذا حققوا الفوضى الخلاقة لترتيب المنطقة وفق منطق جديد ، هل بخارطة سياسية كما حصل مطالع القرن العشرين بتوزيع مناطق النفوذ بين أمريكا وروسيا والاتحاد الأوربي والصين ؟ الله أعلم والبيت الأبيض بمراكز الدراسات التابع له
    ملاحظات جميلة تثير الفكر على النقاش كعادتك يادكتور سمير

    ReplyDelete
  2. أهلاً دكتورة أميمة.
    لم أتحدث إطلاقاً عن إمكانية تقديم الرشوة لأعضاء الكونغرس وإنما كان المقصود قيام نظام القتل والإرهاب بشراء أقلام "الخبراء" والوقت الإعلامي على الشبكات التلفزيونية والمساحة التحريرية في الصحافة الورقية والالكترونية، وهو ما يحتاج إليه ممثلو النظام لتسويق قضيتهم. عندما تكون القضية إجرامية كما هو حالهم فإن المبدأ الذي يتبعونه هو "أكذب أكذب أكذب حتى يصدقك البعض خلال أقصر فترة زمنية ممكنة..." والمال السوري المسروق وسيلة تساعدهم على ذلك. أما بالنسبة لتعليقاتك الأخرى، فهي تصورات وتكهنات تحتمل الوجهين وأنا في قراءتي المتواضعة للأمور أكثر ميلاً إلى عدم التركيز عليها، خاصة وأن هناك أموراً أكثر وضوحاً يمكننا الاعتماد عليها في التحليل.
    شكراً للتعليق.
    مع أطيب التحيات.
    سمير

    ReplyDelete
  3. القصة كلها اسرائيل ان كانت مؤيدة للضربة أم لا وأعضاء الكونغرس سيأخذون هذا الامر بعين الاعتبار وقد يكون له الاولوية
    تحياتي

    ReplyDelete
  4. شكراستاذ منير على التعليق والتواصل. يبدو أن هناك حملة جديدة تشنها بعض قطاعات اللوبي اليهودي في واشنطن لصالح الرئيس الأمريكي والضربة المحتملة، وهي حملة ستتصاعد خلال اليومين القادمين. مع أطيب التحيات. سمير

    ReplyDelete